ابن قيم الجوزية

612

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

ثم قال : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه . ثم قال : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم ، وهو خزي يوم القيامة . فانتظمت الآيتان المطالب الأربعة أحسن انتظام ، مرتبة أحسن ترتيب ، قدم فيها النوعان اللذان في الدنيا ، وهما المغفرة ودوام الإسلام إلى الموت . ثم أتبعا بالنوعين اللذين في الآخرة ، وهما أن يعطوا ما وعدوه على ألسنة رسله ، وأن لا يخزيهم يوم القيامة . فإذا عرف هذا . فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في تشهد الخطبة « ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا » يتناول الاستعاذة من شر النفس ، الذي هو معدوم لكنه فيها بالقوة . فيسأل دفعه وأن لا يوجد . وأما قوله : « من سيئات أعمالنا » ففيه قولان . أحدهما : أنه استعاذة من الأعمال السيئة التي قد وجدت . فيكون الحديث قد تناول نوعي الاستعاذة من الشر المعدوم الذي لم يوجد ، ومن الشر الموجود . فطلب دفع الأول ورفع الثاني . والقول الثاني : أن سيئات الأعمال هي عقوباتها وموجباتها السيئة التي تسوء صاحبها . وعلى هذا يكون من استعاذة الدفع أيضا دفع المسبب . والأول دفع السبب . فيكون قد استعاذ من حصول الألم وأسبابه . وعلى الأول : تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه . فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها . وعلى الأول : تكون إضافة السيئات إلى الأعمال من باب إضافة النوع إلى جنسه . فإن الأعمال جنس وسيئاتها نوع منها . وعلى الثاني : تكون من باب إضافة المسبب إلى سببه ، والمعلول إلى علته . كأنه قال : من عقوبة عملي . والقولان محتملان .